مقال رأي

لماذا لا يثق الناس بالأحزاب؟

بقلم: د. ليال عبسوه

ليست المعضلة في قدرة الأحزاب على استقطاب الأعضاء، بل في قدرتها على إقناع المجتمع بجدوى وجودها. فزيادة أعداد المنتسبين لا تعني بالضرورة اتساع الثقة، واتساع الهياكل التنظيمية لا يضمن حضورًا سياسيًا مؤثرًا. وبين أن يعرف المواطن الحزب، وأن يقتنع ببرنامجه، وأن يثق بقدرته على تحقيق ما يطرحه، مسافة لا تختصرها حملات الانتساب.

تُبنى الثقة حين يجد المواطن اتساقًا بين مواقف الحزب وممارساته، ووضوحًا في أولوياته، وفرصة حقيقية للمشاركة والتأثير. فالحزب لا يُختبر بما يطرحه عن نفسه، بل بما يقدّمه على أرض الواقع، ولا بقدرته على جذب الأفراد فحسب، بل بقدرته على تحويل العضوية إلى مشاركة فعلية في صياغة الرؤى والمواقف. فالفرع الذي لا يتفاعل مع مجتمعه، والعضوية التي لا تجد مساحة للمساهمة، والبرنامج الذي لا ينعكس على الممارسة، تظل محدودة الأثر مهما اتسعت البنية التنظيمية.

ولا يمكن اختزال ضعف الثقة في أداء الأحزاب وحده؛ فالتجارب السابقة، والصورة المجتمعية عن العمل الحزبي، ومدى شعور المواطن بجدوى المشاركة، عوامل تؤثر في هذه العلاقة. غير أن تجاوز هذه التحديات يتطلب ممارسة حزبية تعزّز المصداقية، وتجدد الكفاءات، وتتيح للشباب والنساء فرصًا حقيقية للمشاركة، وتتعامل مع الاختلاف بوصفه جزءًا من العمل المؤسسي.

إن نجاح التحديث السياسي لا يتوقف على وجود أحزاب أكثر تنظيمًا، بل على قدرتها على إقناع المجتمع بأن المشاركة من خلالها تستحق الوقت والجهد. فالمواطن لا يبحث عن عضوية تضاف إلى سجل الحزب، بل عن مساحة يستطيع فيها التعبير عن رأيه، والمساهمة في صياغة البرامج، والتأثير في المواقف والقرارات.

قبل أن تسأل الأحزاب: لماذا لا ينتسب الناس إلينا؟ عليها أن تسأل: ما الذي يجعل المواطن يختارنا، ويثق بنا، ويستمر في العمل من خلالنا؟ فالأعداد توسّع القاعدة التنظيمية، لكن الثقة هي التي تمنح الحزب مكانته في المجتمع، وتمنح مشاركته السياسية معناها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى